الشيخ محمد رشيد رضا

185

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس لا لغموض في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش ، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادي حقائقها شيئا ضعيفا جدا فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا : للّه تعالى صفة هي القدرة عنها يصدر الخلق والاختراع » ثم ذكر المشيئة والمحبة والكراهة والرضا والغضب فلم يفرق بين ما يسمونه صفات المعاني وما يسمونه صفات الافعال التي يتأولها أصحابه الأشعرية تحكما منهم ونحن نعلم من أنفسنا أن لنا كلاما هو صفة من صفاتنا وشأن من شؤوننا تتعلق بما يتعلق به علمنا ولكن تعلق العلم عبارة عن انكشاف المعلومات للنفس وتعلق الكلام عبارة عن كشفها وتصويرها بما يدل عليها في النفس أو لمن نريد كشفها له : تقول حدثتني نفسي بكذا ، وقلت في نفسي كذا ، وفي حديث عمر يوم السقيفة : وكنت زورت في نفسي مقالة - يعنى هيأت في نفسي كلاما لا قوله . وقال الشاعر : عندي حديث أريد اليوم أذكره * وأنت تعلم دون الناس فحواه وأما أداء الكلام لمن نريد اعلامه ببعض ما نعلم فله طرق أعمها تعبير اللسان ويليه تعبير القلم والأول غريزة في النطق خاصة بالبشر بمقتضاها تواضعوا على الالفاظ الدالة على معاني المعلومات فاتسعت بقدر اتساع دائرة علومهم ، والثاني صناعة هداهم اللّه تعالى إليها بشعورهم بالحاجة إلى ايصال معلوماتهم إلى البعيد عنهم الذي لا يسمع كلامهم اللساني وإلى حفظها لمن يجيء بعدهم ، وقد استحدثوا في هذا العصر آلة لخطاب البعيد باللسان سموها ( التلفون ) وسميناها ( المسرة ) بكسر الميم وتشديد الراء « 1 » توصل الكلام من دار إلى دار ومن بلدأ وقطر إلى آخر بأسلاك كهربائية تصل بين آلات المتخاطبين وقد استغنوا أخيرا عن هذه الاسلاك في بعض المواضع . واستحدثوا آلة لحفظ الأصوات الكلامية وغيرها واعادتها عند الحاجة ولو بعد موت صاحبها سموها ( الفونغراف ) وكان استحدثوا قبل ذلك آلة لنقل الكلام من مكان إلى مكان في البلد الواحد وفي البلاد

--> ( 1 ) أخذناها من قول القاموس : المسرة بكسر الميم الآلة يسار بها كالطومار